ابن بسام

414

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

ما ساعدتني الليالي بعد بينكم * إلّا ذكرت [ 1 ] ليالينا بذي سلم ولا استجدّ فؤادي في الزمان هوى * إلّا ذكرت هوى أيامنا القدم ومن أخرى له عن الوزير الناصريّ [ 2 ] إلى بعض القبائل : معلوم أنّ اللّه تعالى قد يأذن للنّعم إذا خصّت بالشكر أن تستدني البعيد القصي ، وتستأنس النافر الوحشي ، وإذا قرنت بالكفران يرحل منها القاطن ، وتستوحش المعاطن ؛ ووصل إليّ ما كان منكم من الانحراف عن الحضرة السامية والتظاهر بالخلاف عليها ، فتحقّقت أنّ الشيطان قد أعمل فيكم كيده ، واستنفد في إضلالكم قوّته وأيده ، وأوضع بكم في مراعي وبيّة ، ودبّ إليكم من طريق خفيّة ، فزيّن لكم غير الحسن ، وأوطأكم الجانب الأخشن ، ووسمكم في أحياء العرب بإخفار الذّمم ، / وكفران النّعم ، وأقول ما يجب أن يفهم : ألم تصلوا إلى هذه البلاد فتعرفوا [ 3 ] بها العيش الوحشي ، وتحلّوا فيها محلّ الغريب الأجنبيّ ، وتعيشوا عيش الغرثان الخميص ، وتخطّفكم العرب تخطّف الأجدل للقنيص ، فجمعت الحضرة شتيتكم ، ووصلت مبتوتكم ، فليت شعري ما الذي سوّلته لكم أوهامكم ، وحدّثتكم به أحلامكم ؟ ! وأيم اللّه لئن انقلبتم على الجناب الناصريّ ، وانحرفتم عن اللواء الحمداني ، لتصبحنّ أكلة للعرب ، يحطّون أعلامكم ، ويزلزلون أقدامكم ، ويحمونكم ورود الماء المباح ، ويمنعونكم حلاوة النّعم المراح ، فراجعوا حلومكم العازبة ، وتجافوا عن ذنوبكم اللازبة ، وارجعوا [ 4 ] إلى من امتدّ عليكم ظلّه والزمن هجير ، وصفا لكم ورده والعيش كدير ، فلو قد فارقتم جنابه الفسيح لتفرقتم في الأرض شيعا ، ونبت بكم مقرّا ومضجعا ، وعثرتم عثرة لا يقال لها [ لعا ] . وقد قلت ونصحت ، وبيّنت وأوضحت ، وسلكت مسلك الحدب الشفيق ، وبقي أن يمنح اللّه حسن التوفيق . ومن أخرى : ما اعتمده سيّدنا بالأمس مع عبده من الإكرام خارق للقضيّة العادلة [ 5 ] ، ومحسوب

--> [ 1 ] الديوان : ما ساعفتني . . . بينهم إلا بكيت . [ 2 ] لم يتوجه لي على وجه الدقة من هو الوزير الناصري ، ومما يزيد الأمر تعقيدا أنه يذكر « اللواء الحمداني » في هذه الرسالة ، ولعله ناصر الدولة الحمداني الذي استولى على أكثر أمور مصر أيام المستنصر ، وقتل سنة 654 . [ 3 ] ص : فتعدموا . [ 4 ] ص : وتصاموا عن ذنوبكم الكاذبة وراجعوا . [ 5 ] ص : العادية .